هكذا أفهم الأمر 2من 2
محمد قاسم
ماذا دعاني الى هذا المقال؟!
منذ سنوات بلغني –وعاينت ذلك بنفسي في أكثر من موقف، وخاصة عبر الانترنيت- ان سجالا بين بعض مثقفي الكرد في القامشلي استعر أوارها..وقد تلقيت الخبر -حينها-بالقول :
هذا ما أريد..!
تلقى -من حولي- موقفي ببعض اندهاش، وربما استنكار أيضا ..!!
وقد بررت قولي بأننا -كمثقفين عموما- لن نحسن أداء وظيفتنا التنويرية، ما لم نتجاوز لغة المجاملة، والمديح المجاني،سواء أكان ذلك استجابة لنوازع المصلحة الخاصة، او لتحرك مشاعر الخوف من المواجهة مع النمط المتخشب او المتحجر من التفكير والأساليب الحياتية، في المجتمع..كالمجتمع الكردي الذي لا يزال يخضع -في نمطية التفكير والسلوك الحياتي- لقيم عفا عليها الزمن-كما يقال- وتحتاج الى إعادة تشكيل بما يحافظ على أصالة الماضي وحيوية المستقبل..(يحقق استمرارية متجددة لا تلغي ما يحسن.. ولا يهرب –بلا موازنة وفعالية -الى أي تقليد..!
ولكن الذي فاجأني عندما قرأت كتاب "وعي الذات الكردية" للأستاذ إبراهيم محمود..[i] فوجدت فيه بعض ما لم أكن أتمناه من عبارات تتجاوز نقد الموضوع(النص)الى أوصاف ذات بعد ذاتي لكتاب النصوص.. (بدلا من الفكرة والنص) وإن كان يجهد في تلطيفها أحيانا…..!
ولم يقصر غيره في الرد عليه ودس بعض انعكاسات النفس المتوترة أو الموجوعة في ثنايا ردوده..!
ولقد دعاني –حينذاك- احد الأصدقاء للتدخل بكتابة مقال، لعله يهدئ التوتر بين الأطراف الذين تربطني بهم جميعا، علاقة صداقة واحترام..ماضيا ،وآمل حاضرا أيضا..فلم يشبها شيء كما أقدر.وللكل لدي المكانة التي يستحقها..كما آمل ان تستمر هذه الصلة مستقبلا..
ولقد بدأت-حينها- في استجماع أفكاري، واختيار العبارات التي يمكن ان تؤثر إيجابا في جو كان الهياج يحكمه..!
ولكني أحجمت في اللحظة الأخيرة، عندما علمت ان التراشق الكلامي قد قطع ما بينهم من صلات..واتخذ كل طرف موقفه الذي بدا انه لن يتنازل عنه حينئذ..!
فارتخت عضلات ذهني ..واستحسنت ان أترك الأمر لهم.. لعلهم يراجعون أنفسهم ذاتيا، او يدفعهم الى ذلك بعض ظروف تنبههم الى أن خللا يخيم على العلاقة فيما بينهم، وينبغي أن يصحح –وذاتيا أيضا-
وما يؤسف له ان هذه الظاهرة بين مثقفي القامشلي موجودة –ربما بتأثير عوامل مختلفة منها: الانقسامات الحزبية التي ألقت بظلالها على هؤلاء الذين كانوا في معظمهم من المنتمين الى الحالة الحزبية يوما ما..وبقي بعضهم مستمرا..واستقال بعضهم او أوقفوا أنشطتهم الحزبية.،ولكن المشاعر او التأثيرات التربوية الحزبية لم تزل تعمل في زوايا من سيكولوجيتهم..!
فإذا كان الاختلاف والصراع واقعا في طبيعة العمل الحزبي..-عن حق او عن باطل..- فلا أعتقد أن الضرورة- تقضي ان ينساق المثقفون مع الظاهرة -إذا تحرروا من المؤثرات الحزبية في حياتهم-.
وهذه الظاهرة –الحالة- لا تليق في سلوك الباحثين والعلماء والمثقفين …على كل حال – حتى في حالة وجودهم ضمن الأحزاب- في مستوى الحالة النفسية ..!
أما إذا اختلفوا حول قضايا بحثية، فلغة ذلك معروفة في قول الشافعي –رضي الله عنه-:(حيثما صح الحديث فهو مذهبي)وقوله:(رأيي يحتمل الخطا،ورأي غيري يحتمل الصواب). أو كما قال.
أو في قول الفيلسوف الفرنسي- ربما فولتير -:
(قد أختلف معك في الرأي،ولكني مستعد للتضحية بنفسي من اجل رأيك).
في ديرك[ii] - يا أصدقاء- تجاوزنا الكثير من هذا الأسلوب المتوتر بين مثقفيها – وان حاول البعض أحيانا تعكير الصفو بينهم – باعتماد أسلوب يغلب فيه التسامح على حب المواجهة والتحدي العنيد .وقد اعتمدنا قاعدة أسميتها –يوما- " القاعدة الذهبية" ..وهي ان لا ينتقل ما هو خارج المجالس الثقافية، الى داخلها،ولا يخرج ما يجري في المجالس الثقافية الى خارجها-مهما كان النقاش حادا..-أي لا نتأثر بما في الخارج من العلاقات ربما المتوترة بين الأشخاص.
وطبعا يغلب أجواءنا –حتى الآن، وعمر "كروب ديرك للثقافة الكردية" حوالي ثلاثة عشرة سنة.. نعمل فيه بصمت..نبقي الثقافة- كفكرة ونشاط- حية، الى أن تتاح لها ان تعمل في النور -في المراكز المصرح بها قانونيا، وهو المأمول ان يفعله النظام .لتصبح ثقافة ليست كردية فحسب،بل ثقافة كردية وسورية تمثل وجها من وجوه الثقافة السورية العامة.ونتفاعل مع الوجوه الأخرى للثقافة الخاصة العربية والسريانية والآشورية و الكلدانية والأرمينية والتركمانية والشركسية …وكل الأطياف في سوريا، دينيا وأثنيا..!
وكان أقرب نشاط إحياء أمسية ثقافية باستضافة الدكتور خليل عبد الرحمن ليتحدث عن كتابه القيم "أفستا" وذلك قبل يومين.
وأعتقد أننا نجحنا الى حد جميل..!
فاللمة الثقافية تجمع بين مختلف الاتجاهات الحزبية [iii]..وبينها وبين المستقلين، في ألفة لاحظها الكثيرون من إخوتنا المثقفين من القامشلي، في الأمسيات الثقافية التي أحيوها معنا مشكورين .. ولعلهم لاحظوا جو النقد الساخن في المجلس الى درجة كان يخشى ان تنعكس على العلاقات خارجها..ولكن ذلك لم يحصل.
ونأمل ان تسري هذه الروح الى نفوس إخوتنا في القامشلي وغيرها.. تهدئها..ليتفرغوا لما هو أكثر نفعا للجميع..فضلا عن التخلص مما يلاحقهم في الشارع الثقافي والاجتماعي –والحزبي – من نعوت لا نحبها لهم.
وهذه-للأسف- دلالات على ان النفس لدى المثقف الشرقي تعاني من عوامل لاشعورية تؤثر في مساراتها..أكثر مما كان متوقعا..!
فنحن جميعا نعاني من مشكلة تضخم اللاشعور-واحيانا يقال تضخم الأنا- نتيجة الكبت المزمن والمستمر في حيتنا البيتية، والمدرسية، والاجتماعية، والسياسية..الخ ولكنها عند البعض تتفاقم، أكثر مما ينبغي –كما يبدو-ولست اخصص أحدا بعينه، فقد وجدت ذلك عند عدد من كتابنا مباشرة او غير مباشرة ..وربما أكون ممن يعانون بدرجة او أخرى، فهي ظاهرة تطبع الجميع في مشرقنا المنكوب.
والمأمول أن يبادر كتابنا ومثقفونا ومبدعونا..الى حركة ذاتية، للبادئ منهم فضل السبق، وهو مكرمة لا نقيصة..فالكبار دائما هم المبادرون عادة..ولا يخفى ذلك عليهم مما قرؤوه في التاريخ والواقع.
فالمعيب للعاقل، والمفكر، والمثقف…-بحسب ما هو معتمد في أدبياتهم- أن يتبع أسلوبا متبعا وفق الذهنية العشائرية –قبليا –لإجراء المصالحات أو غيرها.فيسعى بينهم الناس، وينصبون لهم الخيم، ويذبحون الذبائح –دينا، أو فرضا على أبناء العشيرة – ليتخذ كل واحد منهم صدر المجلس، يتحفز للكاميرا التي تدور بينهم لتصوير المشاهد التي يتلذذون بإبرازها ….وعملهم الذي قد يكون جرهم إليه صبي لم يبلغ،أو شاب طائش،أو سلوك ارعن من إنسان منفلت، لم يراعي السلم الاجتماعي ولا يعيه.. أو ظلم ظالم يتكئ على بعض مراكز القوى أسريا او قبليا أو سلطويا..!!
فقد قال-مرة- احد السائقين جوابا لمن قال له: تمهل.. لقد كدت أن تدهس الماشي..!
قال:وأين المشكلة؟!.إن ذلك لا يكلفني أكثر من خمس ليرات..! وكان يعني :
إن العشيرة ستتكفل بدفع الدية عنه،بل والاستنفار في طول العشيرة وعرضها للدفاع عن خطيئته،تحت عناوين مختلفة كلها لا ترقى الى السلوك السامي..بل استجابة لترسبات قديمة لم تعد صالحة لظروف التطور الاجتماعي والإنساني..
هذا السائق لم يفكر بكونه سيكون قاتلا لنفس بريئة..ولا باحتمال ان تترمل زوج -المحتمل قتله-..ولا بتيتم أطفاله..ولا بالتأثيرات الاجتماعية سلبا، واهتزاز السلم الاجتماعي والوجداني،ولا بمصيره في العقاب والثواب.!
انصب تفكيره -فقط-على أن ذلك لن يخسره أكثر من خمس ليرات..ولكم ان تحكموا على نمط التفكير والذهنية عند الكثيرين من أبناء مجتمعنا..!!!
هذا قدرنا لدى الحالات المتخلفة من شرائحنا الاجتماعية ..فهل من الضروري ان يكرر مثقفونا، وكتابنا، ومبدعونا… هذه السيرة الخاطئة؟!
السيرة التي ينتقدونها دوما،ويذكرونها كحالة ينبغي علاجها..؟!!.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لمسلم ان يهجر أخاه فوق ثلاث ليال وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) أو كما قال.
ولمن لا يعجبه التمثيل بقول الرسول، فإنه تمثيل لقول "محمد" –العبقرية التي تتصدر قائمة مئة من عباقرة البشر بحسب دراسة غربية.و كما يعلمون..
منذ القديم :قيل: فاقد الشيء لا يعطيه.
وبغض النظر عن الجدل الفلسفي والمصطلحي لهذه العبارة؛ فإنها ذات دلالة حية في التمثيل لهذه الحالات..كيف يمكن لمن لا يحسن حب الآخرين ان يتفاعل معهم إيجابيا..؟
بل كيف له ان يأمل من الآخرين أن يحبوه ما لم يستطع هو ان يحبهم مثلا..؟!
المثل الشعبي يقول –القلوب عند بعضها-وهو قول مرتكز على حقيقة نفسية..!
كتابنا،ومثقفونا،ومبدعونا..-وأنا منهم إذا قبلوا بي معهم- مدعوون الى تحليل لبعض سلوكياتهم، ومواقفهم في كل اتجاه-وهذا من طبيعة السلوك الصحيح للتفكير- فأرسطو معروف بقضاء اغلب أوقاته في الطبيعة يتأمل..واغلب المفكرين والفلاسفة كانوا يفعلون ذلك ولا يزالون.بل إن المبدعين وكتاب الروايات والشعر.. كثيرا ما يذهبون الى بيئات خاصة؛ توفر لهم الهدوء ..وانتعاش القوة الإبداعية لديهم..!
الم يكن الشعراء الجاهليون يتغنون بوادي عبقر..ويستلهمون منه –بزعمهم-مواد أشعارهم المبدعة..؟!
وبعض المتصوفة ..قد استقروا على محورية التأمل في تطهير النفس..وتصحيح المسار في السلوك..!وما الرابطة الصوفية بعد صلاة العصر او صلاة العشاء إلا نوعا من عودة التركيز ..وتحقيق التطهير ..للنفس من عالقات المؤثرات من الحياة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |